مصطفى لبيب عبد الغني
8
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
آمن الزهراوى بأن اليدّ هي الأكثر أمانة وجسارة ، وأن الطبيب الحاذق لا يمكن أن يسفّه عمل اليد : فهي إما أن تقوم بالعمل أو لا تقوم ، ولا يمكن لنتيجة فعلها أن تتوارى طالما أنه ليس ثمت مجال للخداع وأن الأخطاء سرعان ما يتم تصويبها . * * * أليس مما يدعو للتساؤل أن تخلو موسوعات تأريخ الطب الاسلامي وتراجم أعلامه من تتبع جهود الزهراوى وحصر إنتاجه والإشادة بدوره الرائد ؟ بل أليس مثيرا للانتباه أن يسقطه معاصره ابن جلجل من بين « طبقات الأطباء والحكماء » « 1 » وهو الذي اجتهد في سرد قوائم طويلة من أقدم عصور الطب المعروفة وحتى زمانه ؟ ومعروف أن ابن جلجل انتهى من تأليف كتابه في عام 377 ه وهي فترة ازدهار الزهراوى . وحتى موسوعة ابن أبي أصيبعة التي جاءت من أوفى وأوثق المصادر في موضوعها لم تفرد الزهراوى إلا ثلاثة أسطر جاءت عند شيخ مؤرخي الطب الإسلامي في صياغة عامة مبهمة « 2 » . ومن العجيب والمؤسف حقا أن يخفت تأثير الزهراوى وأن تتضاءل أهمية كتاباته في الأندلس وفي مغرب العالم الإسلامي ومشرقه على السواء « 3 » ، وحتى
--> - من كليات الطب ومبادئه وصنوف العلل وكيفية علاجها ومختلف الأغذية والأدوية وخصائصها ومقاديرها وذلك في إشارة واضحة إلى أن الطب القائم على العلاج الدوائي تمامه وآخره يكون في العمل الجراحى . ( 1 ) يراجع ابن جلجل ، أبو داود سليمان بن حسان الأندلسي : « طبقات الأطباء والحكماء » ، بتحقيق وتقديم : فؤاد سيد ، القاهرة ، 1955 . ( 2 ) يقول عنه ابن أبي أصيبعة : « كان طبيبا فاضلا خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة ، جيد العلاج . وله تصانيف مشهورة في صناعة الطب وأفضلها كتابه الكبير المعروف بالزهراوى . ولخلف بن عباس الزهراوى من الكتب : كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف وهو أكبر تصانيفه وأشهرها . وهو كتاب تام في معناه . » ( « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » ، ص 501 ، بشرح وتحقيق : نزار رضا ، منشورات مكتبة الحياة ، بيروت ، د ت ) . ( 3 ) ومن الإشارات القليلة التي نجدها عند المؤرخين عن الزهراوى ما يورده معاصره ابن حزم الأندلسي ( 944 - 1064 م ) في قوله عنه : « وقد أدركناه وشاهدناه ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن » . ( راجع : المقرّى : " نفح -